البحث
أصول النحو
تعريفه وأهميته وتطور اصول
الفقه وتأثيره اليه
تأليف : فوزل في الامر
أ)
المقدمة
علم
أصول النحو علم مهم عظيم في العربية. بها نعرف تاريخ علم النحو، وكيفية استنباط
الاحكام النحوية، ومدارس النحوية وعلماء النحو، وأختلافات العلماء في استنباط
الأحكام النحوية وغيره. وفي هذه المقالة اركز عن تعريف أصول النحو، وأهميته وأثر
علم أصول الفقه في أصول النحو.
ب)تعريف اصول النحو
قبل
أن نبحث عن تعريف اصول النحو على الاحسان نعرف أولا معنى كلمة ألاصول والنحو كي
نسهل في فهم. الاصل : أساس الشيء وجمعه أصول.[1]
للنحو
لغة معان كثيرة، أهمها القصد والجبهة، والمقدار، والمثل والشبهة. والنحو في اصطلاح
العلماء هو قواعد يعرف بها أحوال أواخر الكلم العربية التي حصلت بتركيب بعضها مع
بعض من إعراب وبناء وما يتبعها.[2]
أما
اصول النحو كما يعرفه ابن الأنباري بقوله أصول النحو أدلة النحو التي تفرعت منها
فروعه و فصوله، كما أن أصول الفقه أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته وتفصيله. وقال السيوطي أصول النحو علم يبحث فيه عن أدلة
النحو الإجمالية من حيث هي أدلته وكيفية الاستدلال بها وحال المستدل.[3]
المراد
ب ((علم)) صناعةـ فلا يرد ما أورد على التعبير في حد أصول الفقه، من كونه يلزم
عليه فقده إذا فقد العالم به، لأنه صناعة مدونة مقررة وُجد العالم به أم لا. و
المراد ب ((عن أدلة النحو )) يخرج كل صناعة سواه، وأدلة النحو الغالبة أربعة. قال
ابن جني في الخصائص أدلة النحو ثلاثة : السماع والاجماع والقياس. وقال ابن
الانباري في أصوله أدلة النحو ثلاثة : نقل وقياس واستصحاب الحال، فزاذ الاستصحاب ولم
يذكر الإجماع.
المراد ب ((الإجمالية)) احتراز من البحث عن
تفصيله، كالبحث عن دليل خاص بجواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وبجواز
الإضمار قبل ذكر في باب الفاعل والمفعول، وبجواز مجيء الحال من المبتدأ، و بجواز
مجيء التمييز مؤكدا، ونحو ذلك، فهذه وظيفة علم النحو نفسه لا أصوله. والمراد ب((من
حيث هي أدلته)) بيان لجهة البحث عنها، أي البحث عن القرآن بأنه حجة في النحو لانه
أفصح الكلام سواء كان متواترا أم آحادا، وعن السنة كذلك بشرطها الآتي، وعن كلام من
يوثق بعربيته كذلك، وعن اجماع أهل البلدين كذلك أي أن كلا مما ذكر يجوز الاحتجاج
به دون غيره، وعن القياس وما يجوز من العلل فيه وما لا يجوز. والمراد ب ((كيفية الاستدلال
بها)) أي عند تعارضه ونحوه، كتقديم السماع على القياس، واللغة الحجازية على
التميمية إلا لمانع، و أقوى العلتين على أضعفهما وأخف الاقبحين على أشدهما قبحا،
إلى غير ذلك. والمراد ب ((حال المستدل)) أي المستنبط للمسائل.[4]
وتشير
بعض الروايات أن أول من سعى إلى تأسيس في أصول العربية هو علي رضي الله عنه ، إذ
يقول سمعت ببلدكم لحنا فأردت أن أضع كتابا في أصول العربية أي وضع قواعد وقوانين
عامة لعلم النحو. أن أصول النحو كانت مصاحبة
لظهور النحو، وضرورية له، فلم يكن ليظهر النحو بهذا الشكل إلا بعد أن راعى النحاة –
في وضعه- هذه الاصول بدقة.
ج)
أهمية
أصول النحو
أن
دراسة الأصول والفروع جديرة باهتمام الباحثين ، لأنها ذات بال لمن يتصدى
للإستنباط، واستخراج الفروع من أصولها. و تلك قضية تشمل اكثر من علم غير أنها في
العلوم الشرعية ألصق وأكثر وأقدم، وبخاصة في علم فقه وأصوله، ثم في علم اللغة
عموما، و في النحو وأصوله خصوصا.
قال
أبو الحسين أحمد بن فارس : إن للغة العرب مقاييس صحيحة وأصولا تتفرع منها فروع. وعلى
هذا فإن معرفة الاسماء الصفات كرجل وفرس وطويل وقصير من الفروع التي يبدأ بها عند
التعلم. أما القول بوضع اللغة وأوليتها ومنشئها فمن الاصول التي ينبغي معرفتها حتى
يعلم خطاب الله ورسوله من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وعلى ذلك يعوّل
أهل النظر والفتا.
قال
ابن فارس : و لسنا نقول : إن الذي يلزمه من ذلك الاحاطة بكل ما قالته العرب، لان
ذلك غير مقدور عليه، ولا يكون لنبي كما قلناه أولا، بل الواجب علم أصول اللغة
والسنن التي يأكثرها نزل القرآن وجاءت السنة.[5]
وفائدته
التعويل في اثبات الحكم على الحجة والتعليل، والارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع
الاطلاع على الدليل فإن المخلد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب، ولا
ينفكّ في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتعاب.[6]
ومعنى
ما قاله أبو البركات الأنباري: أن دراسة أصول النحو والوقوف على أدلة الاحتجاج
تُعِين الدارس على إثبات الأحكام الموثقة بالحجة البينة، والدليل المعتمد؛ فيكون
حكمه أبعد ما يكون عن عوارض الشك والارتياب، في حين أن من يعجز عن الوصول إلى
الدليل والنظر، ويركن إلى التقليد من غير تحقيق أو تدقيق، أو إعمال فكر، أو إدارة
بصر لا يعرف وجه الخطأ من وجه الصواب، ولا تخلص معلوماته عن شوائب الشك والارتياب.[7]
د)
تطور
أصول الفقه وتأثيره في أصول النحو
1.
علم
أصول الفقه بين النشأة والتأصيل
لكي
تتضح العلاقة بين الأصول الفقهية والأصول النحوية كان لزما على المراحل التاريخية
التي مرّ بها كلا علمين. وأحدد زمان التأليف في علم الاصول كي تتضح لنا بجلاء
العلاقة بين علمين ومدى تأثير أحدها في الأخر. قواعد الاستنباط موجودة منذ عهد
النبي صلى الله عليه وسلم، إذ هو الذي تؤخذ عنه الاحكام حيث كانت الأحكام في عهده
وحيا منزلا في كتاب الله تعالى أو من سنته. و في فتاواه وقضاياه التي كان يقضي
فيها بوحي من الله تعالى أو بإجتهاده فيما يعرض عليه المسائل. وبهذا تكونت
المجموعة الأولى من الاحكام الاسلامية المستمدة من القرآن و السنة وما أقرّه من
أحكام شرعية و كذلك أقضية الصحابة.
ويوضح لنا أبن خلدون هذا المعنى بقوله إعلم أن
أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة. وهو النظر في أدلة
الشرعية من حيث تأخذ منها الأحكام والتأليف وأصول الأدلة الشرعية هي الكتاب الذي
هو القرآن، ثم السنة المبينة له، فعلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأحكام تتلقى
بما يوحى اليه من القرآن وسنته بقوله وفعله شفاهي لا يحتاج إلى نقل ولا إلى نظر و
قياس. ولم تكن هناك من حاجة داعية إلى تدوين وتأصيل علم أصول الفقه، لأنه كان
مبينا لأحكام الشريعة وشارحا للسمائل الفقهية، وموضحا بقوله وفعله المؤيد بالوحي والعصمة
للقضايا الطارئة.[8]
ويتبين
مما ذكر، أن هذه المرحلة تحمل إرحاصات مبكرة، تفيد أن مقدمات علم أصول الفقه كانت
متضمنة في القرآن الكريم ومنهج الرسول القولي والعملي في كيفية النظر إلى المسائل
الشرعية والاحداث الواقعية. ومعلما أصحابَه ذلك المنهج. إذ نجد أن الرسول صلى الله
عليه وسلم يبعث معاذ بن جبل إلى اليمن ثم يسأله عن كيفية استخراج الأحكام الشرعية
من أدلتها بما يصلح و يخدم حال اليمن. حيث دار بينه و بين معاذ حوار تعليمي، يقول
لمعاذ، كيف تقضي إذا عرض لك القضاء ؟ قال أقضي بكتاب الله، فإن لم يكن في كتاب
الله ؟ فبسنة رسول الله، قال فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال أجتهد رأي و لا
آلو. فضرب صدره و قال الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسول الله.[9] ويبدو من هذا الحوار أن معاذا كان يدرك أن هناك
أسسا ومناهج تتحكم في عملية الإجتهاد والإستدلال، حيث أوضح لنا أن هناك ترتيبا
منهجيا لأصول الأدلة، أولها القرآن ثم السنة ثم الرأي وهنا يشير إلى الإجتهاد (القياس).
ولقد علم الفقهاء المجتهدون – من
بعد الصحابة – اتساع النشاط الفقهي وتعدد المصطلحاته وتشعب الاختلافات بين الفقهاء
فيه، لكثرة الحوادث والنوازل الجديدة التي لم تكن في عهد الرسول وأصحابه. حيث
إتسعت الدولة الاسلامية، ودخل في الاسلام كثرون، فظهرت الحاجة أكثر و أكثر إلى
الإجتهاد والإستنباط لوقائع ومشكلات لم تكن موجودة من قبل، حيث أجتهد التابعون في
استنباط الاحكام. فكان لكل فقيه طريقته في الاستدلال والاستنباط. فمنهم من اعتمد
على أقوال الصحابة كسعيد بن المسيب بالمدينة، ومنهم من نهج منهاج المصلحة وإن كان
بغير نصّ، ومنهم من اتبع منهاج القياس.[10]
2.
التأليف
في أصول النحو
لمّا
ضبطت قواعد اللغة واستقرت أصولها واتضحت حدودها النهائية سعى بعض العلماء إلى
تأصيل النحو. فقامو بجمع قواعد هذه الأصول من المؤلفات النحوية وحاولوا تقنينها
حيث اهتم القدماء من النحاة بإفراد علم أصول النحو بالتأليف المستقل بدءا بأبي بكر
محمد بن السراج (316ه) الذي ألف فيه كتابا وسمه (الأصول في النحو) ثم جاء بعده أبو
القاسم الزجاجي (316 ه) صاحب كتاب (الإيضاح في علل النحو) كما تطرق إلى هذا
الموضوع ابن جني (392ه) في كتاب (الخصائص) ثم أتى بعده ابن الأنباري (513ه) فألف
في هذا المجال رسالتين مختصرتين هما الإغراب في جدل الإعراب ولمع الأدلة في أصول
النحو ثم تلاه جلال الدين السيوطي(849ه) حيث ألف كتابا وسمه (الإقتراح في علم أصول
النحو).
3.
صور
تأثير علم اصول الفقه في أصول النحو
لقد
كان علم أصول الفقه أشد العلوم الإسلامية أثرا في الدرس النحوي منذ نشأ الدرس
النحوي حتى زحمه الفكري اليوناني بتصوراته الذهنية ومنطقه الشكلي. المظاهر هذا
التأثير ما يأتي :
أولا
: المصلحة في أصول الفقه غاية تلخصها عبارة : (لا ضرر و لا ضرار). والفائدة في
أصول النحو غاية يمكن أن تلخصها عبارة (لا خطأ ولا لبس)، فهما يستمدان من مصدر
واحد هو المنهج الاسلامي.
ثانيا
: قضية الأصول والفرع التي شغل بها النحاة منذ المرحلة الأولى للدرس النحوي وافدة
عليهم من أصول الفقه، فقد سبق إليها أبو حنيفة وأصحابه، وكان النحاة يقفون على
جهودهم في الدرس الفقهي، ويأخذون عنهم. فالمعروف أن الخليل بن أحمد كان معاصرا
لأبي حنيفة. وكان يقبس منه نصوصا فقهية تؤيد ما يذهب إليه من مسائل النحو.[11]
وأن سيبويه عاصر أبا يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة.
ثالثا
: أثر العلة الأصولية في العلة النحوية أظهر من أن ينكر، فقد وقفت بها في المرحلة
الأولى عندما هو واقع من الظواهر اللغوية، لتكون وسيلة اتبرير الحكم النحوي وقبوله، و كان لها الفضل في تحديد
مسالكها، وشروط سلامتها، واقسامها، والقوادح فيها.
رابعا:
تأثر النحاة بالأصوليين في ((تعريف)) الأبواب النحوية وتحديد المصطلحات، إذ كان
الهدف منه عند الأصوليين تمييز المعرف من غيره مما قد يختلط به أو يشترك معه، دون
قصد إلى تصوير ماهية (المعرف) وحقيقته، وكذلك كان هدف التعريف عند النحاة قبل غلبة
الفكر المنطقي عليهم.
خامسا:
تقسيم الحكم النحوي إلى واحب، وممنوع، وحسن، وقيح، وخلاف الأولى، وجائز على السواء
ليس إلا أثرا من آثار تقسيم الحكم الفقهي كما تحدد في أصول الفقه.
سادسا:
أخذ النحاة عن الأصوليين ما ارتضوه من قواعد وضوابط للترجيح بين الأدلة المتعارضة
سواء أكان تعارض سماع أم تعارض قياس أم تعارض سماع وقياس.
سابعا
: نقل لنحاة كثيرا من مصطلحات علم أصول الفقه، و بخاصة ما يتصل منها بالأصول
العامة و طرق الاستدلال. [12]
ثامنا: فإن
منهجية التأليف والتبويب والتقسيم وطريق بناء العلوم كان ظهورها أولا عند المفسرون
والفقهاء والأصوليين الذين وضعوا الأساسات الأولى في كيفية عرض المادة العلمية
تأصيلا وتأليفا ثم استفاد منها النحاة في بناء النحو على أصوله.[13]
الخاتمة
أ. الخلاصة
1.
اصول
النحو علم يبحث فيه عن أدلة النحو الإجمالية من حيث هي أدلته وكيفية الاستدلال بها
وحال المستدل
2.
وفائدته
التعويل في اثبات الحكم على الحجة و التعليل، و الارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع
الاطلاع على الدليل فإن المخلد إلى التقليد لا يعرف وجه الخطأ من الصواب، ولا
ينفكّ في أكثر الأمر عن عوارض الشك والارتعاب
3.
أثر
علم أصول الفقه في أصول النحو تأثيرا كبيرا
[3] الامام العلامة جلال الدين
عبد الرحمن بن أبي بكر السيطي، كتاب الإقتراح في أصول النحو، (بيروت : دار
البيروتي, 2007) ص. 21
[4] الامام
العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيطي، كتاب الإقتراح في أصول النحو،
(بيروت : دار البيروتي, 2007) ص. 21
[5] الشيخ يحيى بن محمد أبي
زكريا الشاوي المغربي الجزائري، إرتقاء السيادة في أصول النحو، (العراق: دار
الأنباري، 1411 ه)، ص. 5